ابن قيم الجوزية

87

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الباب الثالث عشر في بيان أن الانسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه وقدر يجري عليه اتفاقاً ونعمة يجب شكر المنعم عليها وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات . وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين : أحدهما يوافق هواه ومراده والآخر مخالفه وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما . أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة وهو أحوج شيء الصبر فيها من وجوه : أحدها : أن لا يركن إليها ولا يغتر بها ولا تحمله على البطر والأشر والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله . الثاني : أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها فإنها تنقلب إلى أضدادها فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده وحرم الأكل والشرب والجماع . الثالث : أن يصبر على أداء حق الله فيها ولا يضيعه فيسلبها .